2024-10-22 03:00:00
التحول من بلد المغتربين إلى بلد المهاجرين
أظهرت السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في تركيبة السكان في البرتغال، حيث كانت البلاد تُعرف لفترات طويلة كوجهة للمغتربين الذين يبحثون عن فرص أفضل في الخارج. ومع ذلك، تعكس الإحصائيات الحالية واقعًا مختلفًا تمامًا، مما يدعو للتساؤل: هل أصبحت البرتغال بلدًا للمهاجرين بدلاً من المغتربين؟
تاريخ الهجرة من البرتغال
على مدار العقود، شهدت البرتغال موجات هجرة كبيرة، خاصة في الستينيات، حيث ترك العديد من المواطنين الوطن بحثًا عن فرص عمل وحياة أفضل في دول مثل إسبانيا وسويسرا وفرنسا. استمر هذا الاتجاه حتى الأوقات العصيبة بين 2011 و2016 نتيجة للأزمة الاقتصادية، حيث عانى العديد من البرتغاليين من صعوبة الحياة الاقتصادية. في عام 2023، أظهرت الإحصاءات أن حوالي 34 ألف برتغالي يغادرون البلاد سنويًا، والعديد منهم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و34 عامًا.
الصعود السريع لعدد المهاجرين
رغم أن مغادرة البرتغاليين لا تزال مستمرة، فإن الوضع قد تغير بشكل ملحوظ مع زيادة عدد الأجانب الذين يختارون البرتغال كمكان للإقامة. منذ عام 2017، تجاوز عدد القادمين إلى البرتغال عدد المغادرين، مما نتج عنه رصيد إيجابي للمهاجرين. يشير التقرير إلى أن الزيادة في عدد المهاجرين المسجلين قانونيًا بلغت 34% بين عامي 2022 و2023، مما يعكس الأهمية المتزايدة للجاليات الأجنبية في البلاد.
التركيبة السكانية للمهاجرين
يعيش في البرتغال حوالي مليون و44 ألف مهاجر، وهو رقم يبدو مرتفعًا، لكن نسبته لا تزال منخفضة نسبيًا مقارنة بإجمالي عدد السكان. يأتي حوالي 80% من هؤلاء المهاجرين من دول خارج الاتحاد الأوروبي، حيث يمثل المواطنون من البرازيل الفئة الأكبر، تليها أوكرانيا والمملكة المتحدة والهند.
معظم المهاجرين هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و44 عامًا، حيث يشكل الرجال 53% من العدد الكلي مقابل 47% للنساء. يمكن تفسير هذا الاتجاه بأن الفرص الاقتصادية تلعب دورًا كبيرًا في جذب المهاجرين إلى البرتغال.
الوجهات الأكثر استقطابًا للمهاجرين
تتركز الطلبات على الهجرة في مناطق معينة في البرتغال، حيث تُفضل العواصم الكبرى مثل لشبونة ومنطقة بورتو، بالإضافة إلى إقليم الغارف. تُعتبر هذه المناطق أكثر جذبًا بسبب الفرص الاقتصادية المتاحة، حيث يتمكن غالبية المهاجرين من العثور على وظائف في قطاع السياحة والزراعة.
الأثر الاقتصادي للمهاجرين
تساهم العمالة المهاجرة بشكل كبير في الاقتصاد البرتغالي، حيث يُعتقد أن حوالي ربع العاملين في الزراعة هم من الأجانب. هذه العمالة ليست فقط مهمة في الزراعة، بل أيضًا في قطاعات مثل الضيافة والتنظيف ورعاية المسنين. إن وجود المهاجرين يسد فجوات في سوق العمل التي يعاني منها الاقتصاد البرتغالي.
التحديات التي تواجه المهاجرين
على الرغم من الفوائد الاقتصادية الكبيرة التي يوفرها المهاجرون، إلا أن البرتغال تواجه تحديات جدية مرتبطة بهم. تُشير البيانات إلى أن مساهمات المهاجرين في الضمان الاجتماعي بلغت حوالي 2.67 مليار يورو في عام 2023، مع واجبات اجتماعية تُشدد على ضرورة دمجهم بشكل جيد في المجتمع. ورغم تلك الإحصائيات، تعاني فئات كبيرة من المهاجرين من الفقر أو التهميش الاجتماعي، حيث يعيش أكثر من ربعهم في ظروف غير ملائمة.
تفتقر البرتغال أيضًا إلى البنية التحتية اللازمة لدعم تطلعات المهاجرين وتحسين مستويات معيشتهم. ولا تزال الوكالة المعنية بشؤون الهجرة تواجه أكثر من 400 ألف طلب للعيش بشكل قانوني، ما يعكس وجود عقبات ادارية تعوق تقدم المهاجرين في حياتهم اليومية.
الختام
التحول من بلد المغتربين إلى بلد المهاجرين يمثل مرحلة تحول مشوقة للبرتغال، تعكس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية العميقة. إن فهم هذه الديناميات والتحديات المرتبطة بها يعد أمرًا ضروريًا لضمان مجتمع متماسك وعادل.